النويري
111
نهاية الأرب في فنون الأدب
والثاني : أن ينتهز فرصة مكنته [ 1 ] بفعل الجميل ، وغرس الصنائع ، وإسداء العوارف ؛ ليكون ذلك ذخيرة له في النوائب ، وخلفا في العواقب ؛ ولا يلهيه استكفاؤه عن الاستظهار ، ولا يمنعه استغناؤه عن الاستكثار . فقد قيل : المرء ابن يومه ، فلينتبه من نومه . وقد روى عن النبي صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « اغتنم خمسا قبل خمس شبابك قبل هرمك وصحّتك قبل سقمك وغناك قبل فقرك وفراغك قبل شغلك وحياتك قبل موتك » . قال سعيد بن سلم : إنّما الدنيا هبات وعوار مستردّه شدّة بعد رخاء ورخاء بعد شدّه والثالث : أن يكفّ نفسه عن القبيح ويقبض يده عن الإساءة ، ليكفى رصد التّرات ، وغوائل الهفوات ؛ فيأمن من وجله ، ويسلم من زلله ؛ ولا يتطاول بالقدرة فيغفل وهو مطلوب ، ويأمن وهو مسلوب . والرابع : أن يستعدّ لآخرته ، ويستظهر لمعاده ، ولا يغترّ بالأمل فيخونه الفوت ، ولا تلهيه الدنيا فتصدّه عن الآخرة . فقلّ من لا بسها فسلم من تبعاتها ؛ لهفوات غرورها ، [ وعواقب [ 2 ] شرورها ] . روى عن النبىّ صلى اللَّه عليه وسلم أنه قال : « يا عجبا كل العجب للمصدّق بدار الخلود وهو يسعى لدار الغرور » . وقيل في منثور الحكم : طلاق الدنيا مهر الجنّة . وأما حذره من أهل الزمان - فلأن الإنسان محسود بالنعمة ، مغبوط بالسلامة . والناس على أربعة أطوار متباينة :
--> [ 1 ] المكنة بفتح فكسر : التمكن . [ 2 ] زيادة عن « قوانين الوزارة » .